ابن أبي الحديد

81

شرح نهج البلاغة

وأما قوله : " أحال الأشياء لأوقاتها " ، فمن رواها : " أحل الأشياء لأوقاتها " ، فمعناه جعل محل كل شئ ووقته ، كمحل الدين . ومن رواها : " أحال " فهو من قولك : حال في متن فرسه ، أي وثب ، وأحاله غيره ، أي أوثبه على متن الفرس ، عداه بالهمزة ، وكأنه لما أقر الأشياء في أحيانها وأوقاتها صار كمن أحال غيره على فرسه . وقوله : " ولاءم بين مختلفاتها " ، أي جعل المختلفات ملتئمات ( 1 ) ، كما قرن النفس الروحانية بالجسد الترابي ، جلت عظمته ! . وقوله : " وغرز غرائزها " ، المروي بالتشديد ، والغريزة الطبيعة ، وجمعها غرائز ، وقوله : " غرزها " ، أي جعلها غرائز ، كما قيل : سبحان من ضوأ الأضواء ! ويجوز أن يكون من غرزت الإبرة بمعنى غرست . وقد رأيناه في بعض النسخ بالتخفيف . وقوله : " وألزمها أشباحها " ، الضمير المنصوب في " ألزمها " عائد إلى الغرائز ، أي ألزم الغرائز أشباحها ، أي أشخاصها ، جمع شبح ، وهذا حق ، لان كلا مطبوع على غريزة لازمة ، فالشجاع لا يكون جبانا ، والبخيل لا يكون جوادا ، وكذلك كل الغرائز لازمة لا تنتقل . وقوله : " عالما بها قبل ابتدائها " ، إشارة إلى أنه عالم بالأشياء فيما لم يزل . وقوله : " محيطا بحدودها وانتهائها " ، أي بأطرافها ونهاياتها . وقوله : " عارفا بقرائنها وأحنائها " ، القرائن جمع قرونه ( 2 ) ، وهي النفس . والأحناء الجوانب ، جمع حنو ، يقول : أنه سبحانه عارف بنفوس هذه الغرائز التي ألزمها أشباحها ، عارف بجهاتها وسائر أحوالها المتعلقة بها والصادرة عنها . * * *

--> ( 1 ) ب : " ملتئمة " ، وما أثبته عن أ . ( 2 ) ومنه قول أوس بن حجر : فلاقي امرأ من ميدعان وأسمحت * قرونته باليأس منها فعجلا أي طابت نفسه بتركها .